الصفحة الرئيسية  أخبار وطنية

أخبار وطنية من كتاب منارات الفجر للإعلامية سيدة الدو القايد: أرملة الزعيم صالح بن يوسف تروي كيف اغتيل زوجها في ألمانيا

نشر في  10 فيفري 2016  (10:59)

 وفاء لروح المناضلة صوفية زهير التي وافتها المنية يوم 31 جانفي الماضي، ننقل في هذه الورقة الشهادة الى أوردتها الإعلامية السيدة الدو القايد في كتابها «منارات الفجر ـ تونسيات على درب النضال 1900 ـ 1956»...

السيدة صوفية ابنة السيد الشاذلي زهير والسيدة جميلة درغوث، من مواليد تونس العاصمة سنة 1924، درست في مدرسة «الببّاصات» بقرطاج، وتحصلت على الشهادة الابتدائية، وحذقت اللغة الفرنسية ببراعة فائقة، كما تعلمت اللغة العربية عن طريق مؤدّب. وكانت مولعة بعدة فنون وتهوى المطالعة، وتعلمت عن والدتها كل المعارف التي تهيئها لتصبح زوجةواعية ككل بنات العائلات.
وقيل إنّ سلالة عائلة زهير تنحدر من النمسا حيث عمد أحد بايات تونس الى أخذ طفل صغير جميل جدا تبنوه وأطلقوا عليه اسم زهير وتعلم وكبر واطلع على أسرار الحكم وحياة القصور. وأراد القيام بانقلاب ضدّ الباي فلم ينجح، ونجا من الموت، وواصل حياته وتزوج وأنجب الأبناء وتكون منه نسل عائلة زهير منهم الشاذلي والد صوفية زهير وشقيقها فتحي زهير وغيرهم.
تقدم لخطبتها الشاب صالح بن يوسف وهو محام وله نشاط في الحزب الدستوري القديم مع الشيخ الثعالبي ثمّ أسّس مع بورقيبة الحزب الحرّ الدستوري التونسي وكان صديقا ورفيقا لشقيقها الأستاذ فتحي زهير.
تزوجت السيدة صوفية الأستاذ صالح بن يوسف، وأقامت في بيت مؤجر بباردو. ووفرت لزوجها كل أسباب الراحة ليقوم بنشاطاته السياسية كزعيم، والمهنية كمحام. فتحملت معه مشاق مسيرته النضالية.

نشاط صلب الحراك النسائي

وتعرفت على قادة الحزب والزعماء والناشطين فيه، وعلى نساء الاتحاد النسائي الإسلامي برئاسة السيدة بشيرة بن مراد. كما كانت تتلقى الدعوات لحضور الحفلات والاجتماعات التي كان ينظمها الاتحاد النسائي، وشجعها زوجها على المشاركة فيه. وكانت هذه المناسبات تحضرها النخبة من العائلات الراقية بتونس وعائلة الباي باعتبار أنّ الرئيسة الشرفية لها هي الأميرة عائشة. وقد كان مدخول هذه الحفلات لفائدة الأعمال الخيرية ومساعدة الطلبة.
انتقلت السيدة صوفية بن يوسف الى منزل جديد بمنفلوري في الخمسينات اشتراه زوجها، منزل على غاية من الجمال في شكله المعماري وفي مرافقه، حسب المواصفات التي تمنّتها أن تكون.
أنجبت ابنين الشاذلي ولطفي وكان زوجها كثير التنقل والأسفار نظرا لمسؤولياته في الحزب، ولدوره في التعريف بالقضية الوطنية، والعمل على ربط علاقات بالأحزاب السياسية وغيرها في عديد البلدان لكسب الأنصار، فكانت زوجته تقوم بكل ما يتطلبه الوضع، وترافقه أحيانا في بعض السفرات حيث مكنتها من التعرف على بعض الشخصيات النسائية السياسية والاجتماعية وزادت في وعيها السياسي كمناضلة وزوجة زعيم.
وفي فترة التحرير عاشت السيدة صوفية بن يوسف ككل مواطنة الحدث وتعرضت بصفة خاصة كزوجة زعيم الى المضايقات من طرف الاستعمار فقد سجن زوجها واعتقل عديد المرات منذ سنة 1943 مع بقية الزعماء.
وفي فترة المفاوضات من أجل الاستقلال، قام بعدة أدوار هامة وخطيرة بين الحزب والباي والحكومة الفرنسية.
وفيما بعد وقع الخلاف المعروف بينه وبين الزعيم بورقيبة حول بنود اتفاقية الحكم الذاتي، وكوّن جبهة رفض. وتدخل العديد للمصالحة إلاّ أنّه رفض المشاركة في مؤتمر صفاقس سنة 1955 وتفاقم الخلاف بين الدستوريين واليوسفيين.
هاجرت صوفية بن يوسف إثر ذلك مع أبنائها وزوجها إلى مصر، وكان هذا الأخير على علاقةببعض الرفقاء في الحزب، فكوّن جبهة معارضة امتدت جذورها في كثير من جهات البلاد، وادخلت فتنة بين صفوف بعض الدستوريين وشككت في مصداقية الزعيم بورقيبة.

فاجعة 12 أوت 1961..

كان صالح بن يوسف في تلك الفترة في ألمانيا، ببلدة «وي سباند» ليقوم بعلاج حساسية برجليه عند طبيب مختص، وكانت عائلته معه. وفي اليوم الذي سيسافر فيه الزعيم صالح بن يوسف الى غينيا بدعوة من رئيس الحزب الديمقراطي، «أحمد سيكوتوري» ترك الأبناء الشاذلي ولطفي في مركز اصطياف، وتوجه رفقة زوجته إلى مطار فرنكفورت. وقبل الانطلاق الى المطار، تلقى الفقيد مكالمة هاتفية، أجاب عنها باللهجة التونسية، كان مخاطبه يتكلم معه بنفس اللهجة ـ وتلاحظ هنا السيدة صوفية أنّ المرحوم كان يثق بمحمد الرزقي ـ طلب منها زوجها انتظاره مع الحقائب في مقهى قرب نزل «روايال» وبقيت تترقبه، وطال الانتظار، أكثر من ثلاث ساعات، فعرفت أن موعد الطائرة الى غينيا قد فات، والتحقت به في النزل، ليخبروها أنّ زوجها خرج مع بعض الرجال واختفى. لم تصدق وذهبت للبحث عنه بالغرفة بمساعدة طالب لبناني يجيد الألمانية، لتجد الفقيد على «فوتاي» يتخبط في دمائه، وهو في الرمق الأخير، فطلبت النجدة وسارعت بنقله الى المستشفى، لكنّه فارق الحياة بعد برهة، علمت النيابة العامة والشرطة بألمانيا بالأمر وباشرتا التحقيق.

الاستقرار في مصر

وقد علمت السيدة صوفية فيما بعد أنّه من المرجح أنّ من قاما باغتياله بالتنسيق مع محمد الرزقي هما عبد الله بن مبروك ومحمد الورداني، أطلقا عليه الرصاص بمسدس كاتم للصوت من عيار 7.65 مليمتر. ليغادرا على إثر فعلتهما ألمانيا الى سويسرا ومنها إلى إيطاليا، اين وجدا البشير زرق العيون الذي رتب لهما جوازات سفر جديدة وتذاكر للعودة الى تونس. وكانت صدمة كبيرة للسيدة صوفية، لاسيما أنّها في بلاد تجهل لغتها، فاتصلت بإبراهيم طوبال في مصر، المساعد الوفيّ لزوجها، الذي حضر الى ألمانيا ورتب لها كل الإجراءات لنقل جثمان زوجها. ورجعوا جميعا الى مصر أين أقاموا له مأتما ودفن في مقبرة الشهداء بمصر. وبقيت بها ترعى أبناءها وكان عمرها آنذاك 37 سنة عند اغتيال زوجها يوم 12 أوت سنة 1961.

عودة رفات.. صالح بن يوسف إلى أرض الوطن

بعد حادثة اغتيال الزعيم صالح بن يوسف عفا الرئيس بورقيبة على الكثير من الذين ينتمون الى «اليوسفية» بل ومكنهم من تحمل مسؤوليات في الدولة وفي الحزب إلاّ أنّ عائلة الزعيم بن يوسف، بقيت مهجرّة إلى أن غاية سنة 1988 حيث مكّنتها الدولة من العودة الى أرض الوطن...
إثر ذلك طالبت الدولة التونسية  بإرجاع رفات المناضل صالح بن يوسف، من مصر الى تونس وتم ذلك وأقيمت له جنازة حضرها كبار المسؤولين في الدولة والحزب. ودفن الزعيم بن يوسف في مقبرة الجلاز يوم 24 أوت 1991.
وهكذا عاشت السيدة صوفية بن يوسف أرملة الزعيم صالح بن يوسف مناضلة صامدة إلى أن باغتتها المنية بتاريخ 31 جانفي 2016 عن سن تناهز 92 سنة..